بعد أن نجحت ثورة 1919 ورضخ الاحتلال الانجليزي لارادة المصريين قام الملك فؤاد بانشاء لجنة لاعداد الدستور .. كانت اللجنة معينة وليست منتخبة فاعترض عليها الزعيم سعد زغلول وطالب بانتخاب جمعية تأسيسية من أجل اعداد دستور ديمقراطي يعبر عن ارادة الشعب ، على أن الملك فؤاد أصر على موقفه فانعقدت اللجنة ووضعت دستور 23 ونصت فيه على مادة تعطى للملك حق حل البرلمان في أى وقت . وقد أدى هذا العيب الدستوري الخطير الى افساد الحياة السياسية فتحول البرلمان الى لعبة في يد الملك حتى أن حزب الوفد الذي يتمتع بغالبية ساحقة لم يصل الى الحكم الا لمدة ستة أعوام على مدى ثلاثين عاما .. العجيب أن سعد زغلول قبل دستور 23 على علاته وكان بامكانه وهو زعيم الأمة بلامنازع أن يدعو المصريين الى اكمال ثورتهم حتى يحصلوا على حقهم في دستور عادل وديمقراطي . لكنها فرصة ضاعت فلم تحقق مصر حريتها ..
موقف آخر حدث بعد ثورة 1952 ، فقد انتصر التيار المعادى للديمقراطية بين الضباط الأحرار فأصدروا في يوم 16 يناير عام 1953 قرارا بحل الأحزاب السياسية كلها ومصادرة أموالها ومقارها، كان الوفد آنذاك حزب الأغلبية وكان بمقدوره أن يحشد الجماهير في مصر كلها ضد الديكتاتورية ولو أنه فعل ذلك لاضطر الضباط الى التراجع ولتم الحفاظ على النظام الديمقراطي .. لكن الوفد لم يعترض واستسلم لمصيره .كانت هذه فرصة أخرى سنحت لمصر ثم ضاعت عليها فوقعت بلادنا في قبضة الاستبداد لمدة ستين عاما متواصلة .
ان تاريخ مصر للأسف حافل بالفرص الضائعة من أجل تحقيق الديمقراطية وها نحن نعيش الآن فرصة أخرى أتمنى ألا تضيع منا . .. لقد قامت ثورة 25 يناير العظيمة وأرغمت حسني مبارك على التنحي ودفع مئات المصريين حياتهم من أجل الحرية لكن الثورة ، منذ اليوم الأول ، تربصت بها ثورة مضادة شرسة داخل مصر وخارجها ... منذ أيام نشرت جريدة الدار الكويتية أن السلطات المصرية تتعرض لضغوط شديدة من حكام عرب على رأسهم ملك السعودية وحاكم الامارات من أجل منع محاكمة مبارك .. و أكدت الصحيفة أن هذه الدول العربية لجأت الى تهديدات مباشرة بتجميد العلاقات مع القاهرة ووقف أى مساعدات مالية وسحب استثماراتها من مصر بل والتضحية بأكثر من 5 مليون مصري يعملون في أراضيها ، اذا تمت ملاحقة مبارك أو محاكمته بأى شكل .
هناك أيضا اسرائيل التى ظلت تدافع عن حسني مبارك الى اللحظة الأخيرة باعتباره أفضل حلفائها والصحافة الاسرائيلية لاتخفي قلقها من تغيير ديمقراطي حقيقي في مصر . نفس الموقف بالطبع تتخذه الادارة الأمريكية ، ما يقلق المسئولين في أمريكا واسرائيل أنهم يعرفون امكان مصر وقدراتها . وهم واثقون أن مصر اذا تحولت الى الديمقراطية فسوف تصبح في سنوات معدودة دولة عملاقة تقود المنطقة بأسرها . المفكر الأميركي الكبير ناعوم تشومسكي كتب في جريدة الجارديان يقول ان الولايات المتحدة تساند الديكتاتورية في مصر ليس خوفا من الاسلام المتطرف كما تزعم وانما خوفا من استقلال مصر وتحررها من التبعية الأمريكية وأضاف تشومسكي ان الادارة الأمريكية ستبذل كل جهودها حتى تتأكد من أن الرئيس القادم لمصر لن يخرج عن الطريق المرسوم له . هناك قوي خارجية عديدة تتربص بالثورة أما داخل مصر فلازالت القواعد الحقيقية لنظام مبارك سليمة لم تمس : الحزب الوطنى الممتد بطول البلاد وعرضها تمتليء مقاره بمئات الألوف من الأعضاء الذين سيفعلون كل ما بوسعهم لاستعادة سلطتهم تحت مسمى جديد ، مئات الضباط من أمن الدولة الهاربون من مقار عملهم المتفرغون للتخريب ، عشرات الألوف من أعضاء المجالس المحلية ، المحافظون ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات المعينون من قبل الأمن والقيادات الصحفية والاعلامية و ورؤساء الشركات والمصانع ورؤساء النقابات العمالية المزورة .آلاف مؤلفة من أعضاء النظام السابق يتآمرون الآن على الثورة . ما هي أهداف الثورة المضادة ..؟!
علينا أن نعود هنا الى تصريحات مبارك قبل التنحي للصحافة العالمية عندما قال ::
ــ أنا أريد أن أتنحى لكنى أخاف على مصر من الفوضى .. أخاف عليها أن تقع في يد الاخوان المسلمين .."
..المخطط الذي تنفذه الثورة المضادة الآن يريد أن يحقق مخاوف مبارك حتى يتضح للعالم كله أنه كان على حق ..وهو يتبع الطرق الآتية :
.,. أولا : احداث أكبر قدر من الفوضى والترويع للمصريين حتى يفقدوا احساسهم بالأمن الأمر الذي سيجعلهم يضيقون بالثورة و يقبلون بأى حل وسط مقابل الاستقرار . .. وقد بدأ مخطط احداث الفوضى بانسحاب الشرطة من مصر كلها واخراج 40 ألف مسجون جنائي وتسليحهم واعطاءهم تعليمات بمهاجمة المدنيين .. ثم استمر هذا المخطط أثناء حكومة شفيق وعندما تولى عصام شرف رئاسة الوزراء تسارعت أحداث التخريب والفتنة الطائفية من أجل احراج حكومة الثورة . بالرغم من المجهود الكبير الذي يبذله اللواء العيسوي وزير الداخلية الجديد من أجل استعادة الأمن الا أن الشرطة لا زالت غائبة . ان امتناع الشرطة عن حماية الوطن تخريب وخيانة . لا يمكن فهم امتناع ضباط الشرطة عن أداء واجبهم الا بأن جهة ما تأمرهم بألا يعودوا الى أعمالهم وهذه الجهة بالتأكيد نفوذها أكبر عليهم من وزير الداخلية نفسه . .. ان أحداث البلطجة في مصر ليست عشوائية أبدا وانما هي غالبا مخططة وموجهة بدقة . ان أفراد الحراسة أمام لجنة المقطم الانتخابية ، قد تركوا الدكتور محمد البرادعي يتعرض لاعتداء همجي وظلوا يتفرجون عليه بينما أتباع الحزب الوطنى يرشقونه بالحجارة .. أما في حي شبرا ، خلال اليومين السابقين للاستفتاء، فقد تم السماح للبلطجية باغلاق الطرق وترويع الناس واطلاق الرصاص عشوائيا مما أدى الى استشهاد مواطنين .لم يتدخل جندى واحد من الشرطة أو الجيش لحماية المواطنين .. هل لهذه الهجمات علاقة بأن حي شبرا يسكنه الأقباط الذين أعلنوا أنهم سيرفضون التعديلات الدستورية وهل كان الغرض ترويع الأقباط حتى يوافقوا على التعديلات أم كان الغرض مجرد عقابهم على تمسكهم بحق المصريين في دستور جديد . ؟ .
ثانيا : اجراء محاكمات انتقائية يتم ابرازها اعلاميا . سارعت وسائل الاعلام الحكومية ( التى لازالت تتلقى تعليمات أمن الدولة ) بتصوير أحمد عز وزهير جرانه والمغربي أثناء التحقيق بثياب السجن وهذه سابقة مخالفة لكل المعايير المهنية والانسانية لكن الهدف كان امتصاص غضب المصريين واشعارهم بأن العدالة تأخذ مجراها . .مع احترامي الكامل لشخص ومنصب النائب العام فان أسئلة كثيرة تظل بلا اجابة :
لماذا لم يتم التحقيق مع حسني مبارك ولا أفراد أسرته ..؟ لماذا لم يحاكم زكريا عزمي وفتحى سرور وصفوت الشريف ..؟!
لمناذا لم يحقق النائب العام في 24 بلاغا مقدما من العاملين في الطيران المدنى ضد أحمد شفيق بتهمة اهدار المال العام ...؟! أثناء تولي أحمد شفيق رئاسة الوزراء لماذا لم يأمر النائب العام بالتحقيق مع ضابط واحد بتهمة قتل الشهداء ..؟ وبعد اقالة شفيق لماذا أمرت النيابة بالافراج عن الضباط المتهمين بالقتل بضمان وظائفهم ؟ ألا يؤدى الافراج عنهم الى اطلاق أيديهم في اخفاء الأدلة التى تدينهم ..؟ ما قيمة محاكمات الفاسدين والقتلة اذا كانت تتم بشكل انتقائي فيترك البعض ويحاكم البعض الآخر طبقا لمعايير لا نعرفها ..,
رابعا : بدلا من أن تنتخب جمعية تأسيسة لاصدار دستور جديد يعبر عن ارادة الشعب وينقل مصر الى الديمقراطية فوجئنا بتنفيذ اقتراح حسني مبارك بتعديل دستوري محدود قامت به لجنة لا نعرف معايير اختيارها .. أعقب ذلك استفتاء سريع لم يمهل الناس حتى يفهموا الموضوع وتم تنظيم الاستفتاء بطريقة تفرض على المواطنين قبول التعديلات كلها أو رفضها كلها .. وقد تم التحالف لأول مرة بين الحزب الوطنى والاخوان المسلمين لتأييد التعديلات . وقد أثبت الاخوان أنهم مستعدون دائما لتغيير مواقفهم طبقا لمصالحهم فبعد أن جمعوا مئات الألوف من التوقيعات لتأييد البرادعي انقلبوا عليه وصاروا ينسقون مع الحزب الوطنى .. يبدو أن مباديء الاسلام عند الاخوان تتعطل تماما أيام الانتخابات ، من أجل الوصول الى الحكم يفعل الاخوان كل شيء بدءا من اتهام مخالفيهم في الرأى بالعمالة والكفر وصولا الى توزيع السكر والزيت وارهاب الناخبين أو حتى ابتزازهم دينيا .. ان ظهور الاخوان القوي وان كان لا يمثل حقيقة حجمهم في مصر ، انما يقدم للثورة المضادة أكبر خدمة فهو من ناحية يؤدي الى استقطاب المصريين على خلفية الدين فيمزق الوحدة الوطنية التى صنعتها الثورة ومن ناحية أخرى يثبت للمتعاطفين مع الثورة في الغرب أن حسني مبارك كان بالفعل حائط الصد الأخير ضد المتطرفين.. والذين انزعجوا مثلي من الحفاوة الاعلامية بالسيد عبود الزمر الذي هو في النهاية قاتل وسفاك دماء ، عليهم أن يفهموا أن صورة عبود الزمر تفيد الثورة المضادة الى أقصى حد .. فعتدما يجلس أمام الكاميرات بلحيته الكثة التى تذكر بأسامة بن لادن ويعلن أن سفك الدماء مشروع من أجل اعلاء الدين .فان ملايين الغربيين الذين تعاطفوا مع ثورتنا سيصيبهم الرعب مما سيجعلهم يتقبلون بعد ذلك ضرب الثورة أو فرض النظام القديم بدعوى حماية مصر من المتطرفين .
لقد أعلنت نتيجة الاستفتاء وفاز الموافقون على التعديلات الدستورية .. بالرغم من سعادتى بالمشاركة الكثيفة للمصريين في الاستفتاء وبالرغم من احترامي الكامل لاختيار الناخبين .. فمن الواجب أن أؤكد أن استمرار برنامج التغيير بهذه الطريقة وهذه السرعة ليس في مصلحة الثورة ولا في مصلحة مصر .. اذا كان القائمون على الأمر يريدون فعلا أن يساعدوا التغيير الديمقراطي فلابد من تغيير طريقة الانتخاب الفردي التى ستؤدي الى تقسيم المقاعد بين أعضاء الوطنى والاخوان .من غير المقبول أن يكتب هؤلاء دستور مصر التى صنعت الثورة بدماء أبنائها . لا بد من الاستجابة الى أهل الاختصاص من أساتذة القانون الذين أكد معظمهم أن كتابة الدستور بواسطة برلمان منتخب بهذه الطريقة ، لا تمثل ارادة الشعب المصري . لن تتحول الثورة المصرية العظيمة الى فرصة أخرى ضائعة واذا استمر دفع الأمور باتجاه محدد سلفا فان الشعب المصري الذى أجبر حسني مبارك على التنحى لن يستطيع أحد ، مهما بلغت سلطته ، أن يحرمه من الحرية .
ـ الديمقراطية هي الحل
0 التعليقات:
إرسال تعليق